منذ خطواتها الأولى بين أروقة المتاحف العالميّة، كانت تبحث، ربما من دون أن تدرك، عن مساحة تعكس ذاتها وهويّتها. اليوم، تحوّلت تلك الرحلة إلى رؤية واضحة، تقود من خلالها Maryam Abdulla Al Falasi مشهداً ثقافيّاً متنامياً في الإمارات. بين شغفها بالفنّ، واهتمامها بالتاريخ، وانفتاحها على الثقافات المختلفة، أسّست Iris Projects لتكون أكثر من مجرّد صالة عرض، بل منصّة تعبّر عن جيل جديد من المقتنين والداعمين للفنّ في المنطقة. في هذا الحوار، نقترب من عالمها، حيث يلتقي الحدس بالاستراتيجيّة، ويصبح كلّ تفصيل في حياتها امتداداً لهويّة تعيد تعريف نفسها باستمرار.
مقابلة مع Maryam Abdulla Al Falasi
من هي مريم اليوم، في هذه اللحظة تحديداً؟
أنا امرأة إماراتيّة أعتزّ بهويّتي، وأسعى بوعيٍ كامل إلى رسم طريقي الخاص. ما زلت أتعلّم، لكنّني متجذّرة في ذاتي، ومدركة تماماً من أكون وما الأصول التي أنتمي إليها.
عندما كنتِ أصغر سنّاً، وخلال تجوّلكِ في أروقة المتاحف حول العالم… هل شعرتِ أنّكِ كنتِ تبحثين عن شيء ما، أم تحاولين فهم مكانكِ وانتمائكِ؟
كنتُ أبحث، من دون أن أدرك ذلك حينها. أتذكّر زياراتنا للمتاحف أثناء السفر، وغياب الفنّاني العرب. هذا الغياب بقي عالقاً في ذهني، ومع الوقت تحوّل إلى رغبة حقيقيّة في دعم وتمثيل فنّاني منطقتنا، والمساهمة في ترسيخ ثقافة الاقتناء الفنّي في الإمارات.
أنتِ اليوم تبنين Iris Projects. هل تتوقّفين أحياناً لتقولي لنفسكِ: "هذا بالضبط ما كنتُ أبحث عنه"؟
بدأت Iris Projects كمنصّة رقميّة خلال فترة كوفيد، ثم تطوّرت لتصبح مساحة عرض ووكالة ثقافيّة. ومع ذلك، أدرك أنّ هناك الكثير ممّا لم يُنجز بعد، وما زال أمامنا طريق طويل. أشعر أنّ هذا المشروع مرتبط بما كنتُ أبحث عنه، لكنّني لا أراه كأمرٍ اكتمل أو وصل إلى نهايته.
تتحدّثين دائماً عن والدتكِ بإعجاب كبير. ما هو الدرس الذي علّمتكِ إيّاه، وما زال ينعكس في أسلوبكِ القياديّ حتى اليوم؟
علّمتني أن أكون فخورة بمن أنا، من دون أن أفقد تواضعي. كانت دائماً تشجّعني على التمسّك بقيمي ومبادئي، وأن أتحلّى بالقوّة والثبات في حضوري، حتى في أكثر اللحظات غموضاً.
تتحدّثين أيضاً عن العطاء، ولكن ليس بطريقة تقليديّة. كيف يبدو العطاء بالنسبة لكِ في اللحظات التي لا يراكِ فيها أحد؟
بالنسبة لي، يرتبط الأمر بالإنسانيّة أولاً. لا أفكّر فيه كمفهوم "العطاء" بصيغته الرسميّة، بل في طريقة تعاملي مع الناس في تفاصيل الحياة اليوميّة. مع الفنّانين، يتجلّى ذلك في حضوري ودعمي المستمر لهم طوال مسيرتهم، من خلال اقتناء أعمالهم، والانفتاح على أفكارهم وحواراتهم، والمساهمة في إيصال أعمالهم إلى جمهور أوسع.
أنتِ على ارتباط عميق جداً بعملكِ. هل هذه العلاقة هي ما يمنحكِ الدافع، أم تشعرين أحياناً بالحاجة إلى الابتعاد؟
الشغف هو الوقود الذي يحرّك كلّ ما أقوم به. لكن، كأي شيء، يحتاج إلى تجديد. أجد أنّ السفر واكتشاف ثقافات مختلفة يمنحني مساحة للابتعاد قليلاً، ثم العودة برؤية أوضح وطاقة متجدّدة للاستمرار.
قلتِ سابقاً إنّ جمع المقتنيات أشبه بهوس. ما كان أوّل "هوس" بالنسبة لكِ؟
بالتأكيد، وأعتقد أنّ معظم هواة الاقتناء سيوافقونني الرأي. كان أوّل هوس بالنسبة لي أسطوانات الفينيل، إذ كوّنت مع الوقت مجموعة من التسجيلات العربيّة والخليجيّة. بدأت هذه المجموعة بشكل عفويّ وبإحساس فطريّ، ثم أصبحت لاحقاً أكثر وعياً وانتقائيّة.
اليوم، عندما يلفت انتباهكِ شيء ما، هل تميلين إلى تحليل العمل أو القطعة، أم تكتفين باتّباع إحساسكِ؟
أنا دائماً أستمع إلى إحساسي. أؤمن بأنّه بوصلتنا الحقيقيّة، وأنّ هذا الحدس يزداد قوّة كلما أصغينا إليه أكثر.
عندما تنظرين إلى المشهد الثقافي اليوم، ما الذي يجعلكِ تشعرين بالحماس؟
أرى أنّ أبوظبي تُعدّ اليوم من أكثر الأماكن إثارة للاهتمام. هناك إحساس واضح بأنها ترسّخ مكانتها كعاصمة ثقافيّة، ليس فقط من خلال مؤسّساتها والمتاحف الجديدة، بل أيضاً عبر مجتمع متنامٍ من الفنّانين والمقتنين وصالات العرض التي اختارت أن تكون جزءاً من هذا المشهد. وهذا تحديداً ما دفعني إلى افتتاح Iris Projects كأوّل صالة عرض تجاريّة في MiZa بأبوظبي.
أين ترين نفسكِ ضمن هذه المشهديّة: في موقع البناء، القيادة، أم المراقبة… أم كلّ ذلك معاً؟
بدأتُ بالمراقبة، وبفهم ما كان ينقص المشهد الثقافي في أبوظبي وما بدا غائباً عنه، وهذا ما قادني لاحقاً إلى افتتاح الصالة. أمّا العام الماضي، فكرّسته لبناء الصالة، والعمل عن قرب مع الفنّانين، وتطوير مشاريع ثقافيّة تحمل رؤيتي وتواكب هذا الحراك.
هل تفكّرين في الإرث الذي تصنعينه اليوم، أم أنّ تركيزكِ ينصبّ أكثر على المشاريع المستقبليّة؟
أنا دائماً أفكّر فيما هو قادم. لستُ من الأشخاص الذين يتوقّفون للاحتفال بإنجازاتهم، لأنني أشعر دائماً أن هناك المزيد ممّا يمكن تحقيقه. طاقتي كلّها موجّهة نحو رؤيتي وما أسعى إلى بنائه.
لو كان بإمكانكِ أن تروي قصّة امرأة من خلال قطع .Tiffany & Co، كيف ستكون ملامح هذه المرأة؟
هي امرأة تعيش في مدينة كوزموبوليتانيّة نابضة بالحياة. تهوى اقتناء الفنّ، واثقة في اختياراتها، وتحمل في شخصيّتها توازناً بين الأصالة والحداثة. جريئة، لكن بأسلوب طبيعيّ وغير متكلّف.
ماذا تقولين للفتيات اللواتي ينظرن إليكِ كمثال أعلى؟
أنتنّ أيضاً تلهمنني وتمنحنني، بشكلٍ غير مباشر، الدافع للاستمرار والنجاح من خلال محبّتكنّ ودعمكنّ لي. مثلما أنا أشكلّ قوّتكنّ، أنتنّ أيضاً تمنحنني القوّة. إذا استطعتُ الوصول إلى ما أنا عليه اليوم، فأنتنّ أيضاً باستطاعتكنّ تحقيق كلّ ما تحلمنَ به. أقول لكنّ: لا تسمحنَ لأيّ شيء بأن يكسركنّ، وكلّما نجحتنّ، تذكرّنَ أنّكنّ سوف تواجهنَ تحدّيات كبيرة. لا بأس إذا أخطأتُنّ وسقطتُنّ، من المهمّ أن تنهضنَ مجدّداً وتكملن نحو الأمام.
Fire Questions
ماذا تعني كلمة "قوّة" بالنسبة لك؟
القوّة هي الحريّة.
هل أنتِ من محبّي الصباح أم من عشّاق التفكير ليلاً؟
كلاهما. أكون في قمّة إنتاجيّتي في الصباح، لكن أفكاري الإبداعيّة تتدفّق أكثر خلال الليل.
معرض فنّي أم صالة عرض هادئة؟
صالة عرض هادئة.
الحدس أم الاستراتيجيّة؟
استراتيجيّة مبنيّة على الحدس.
قطعة مجوهرات لا تفارقك أبداً؟
سوار T الذهبيّ من .Tiffany & Co.
مدينة تُلهمك دائماً؟
باريس ودبي.
متحف لا تملّين من زيارته مراراً وتكراراً؟
متحف الفنّ الحديث MoMA.
كلمة تختصر أسلوبك؟
جريء.
السكينة أم الموسيقى في وقت العمل؟
الموسيقى، لكن من دون كلمات.
لو كان لهذه المرحلة من حياتك عنوان، ماذا يكون؟
الانسجام.
قطعة تمتلكينها وتحمل معنى عميقاً بالنسبة لك؟
عقد من اللؤلؤ كان رمزاً لحبّ جدّي وجدّتي.
