لطالما كانت الموضة صناعةً تقوم على التجديد. فعلى مدى سنوات طويلة، كانت دور الأزياء، في كلّ موسم، تتنافس على تقديم القصّة الجديدة، اللون الجديد، أو الحقيبة التي ستتحوّل إلى "قطعة الموسم". وكانت الرفاهية تُقاس بما يمكن رؤيته: شعار بارز، قائمة انتظار طويلة، أو قطعة لا يملكها سوى قلّة. لكن ما يحدث اليوم يتجاوز تغيّر الأذواق وتبدّل الصيحات، فالموضة تعيش واحدة من أكبر تحوّلاتها الثقافيّة منذ عقود. أصبحت دور الأزياء تتنافس على بناء عالم متكامل، يحمل رؤية، يعبّر عن هوية، ويقدّم مفهوماً جديداً لأسلوب العيش. لم يعد المنتج نقطة البداية، بل أصبح امتداداً لفكرة أوسع، لسرديّة مُتكاملة، ولشخصيّة يريد المستهلك أن يجد نفسه فيها. لذلك، تبيع الدور اليوم قيماً ومشاعر ووجهات نظر، فالمجموعات تخطّت كونها تشكيلة موسميّة، لتصبح فصلاً جديداً من قصّة طويلة ترويها كلّ دار بطريقتها الخاصّة.
لماذا لم تعد الصورة تكفي؟
إذا كانت الموضة قد غيّرت طريقتها في التواصل، فلأنّ المستهلك نفسه تغيّر. خلال سنوات قليلة، انتقلنا من انتظار عروض الأزياء الموسميّة إلى استهلاك مئات الصور يوميّاً عبر منصّات التواصل الاجتماعيّ. أصبحت الخوارزميّات تقترح علينا ما سنرتديه، فيما بات الذكاء الاصطناعيّ قادراً على إنتاج صور وحملات بصريّة كاملة خلال ثوانٍ. وبين هذا الكمّ الهائل من المحتوى، أصبحت الصورة الجميلة متاحة أكثر من أيّ وقت مضى. لكنّ المفارقة أنّ وفرة الصور أفقدتها جزءاً من تأثيرها. لم يعد التحدّي في العثور على الإلهام، بل في العثور على ما يستحقّ أن نتوقّف عنده. فبعد سنوات من مطاردة الصيحات السريعة، وانتشار Microtrends، وهيمنت جماليّات Quiet Luxury، بدأ المستهلك يبحث عن شيء أكثر عمقاً واستدامة، ويطرح الأسئلة: من صنع القطعة؟ لماذا صُنعت؟ ما الذي تمثّله؟ ... وهكذا، انتقل الاهتمام من المنتج نفسه إلى قصّته. ومن الشكل الخارجيّ إلى الحرفيّة، والإرث، والوقت، والرؤية التي تقف خلفه. ففي عصر صارت فيه الصورة سهلة الإنتاج، أصبح المعنى أصعب ما يمكن ابتكاره، وأكثر ما يستحقّ القيمة.
مَن يُعيد كتابة هويّة دور الأزياء؟
لطالما ارتبط تغيير المدير الإبداعيّ بموسم جديد، لكنّ الأمر اليوم يتجاوز ذلك، فكلّ تعيين جديد بات أشبه بإعادة كتابة هويّة الدار. لم تعد الأنظار تتّجه إلى المجموعة المُقبلة فحسب، بل إلى الطريقة التي سيُعيد بها المصمّم قراءة إرث الدار، وما إذا كان سيحافظ على رموزها أو يُعيد تعريفها بالكامل. فما يحدث اليوم في Chanel، وGucci، وDior، وBalenciaga... ليس مجرّد انتقال إداريّ، بل إعادة صياغة للسرديّة التي تريد كلّ دار أن ترويها عن نفسها. وهكذا، أصبحت كلّ مجموعة جديدة فصلاً جديداً في قصّة مستمرّة.
مقابلة مع Lara Jabara المؤسِّسة والمديرة الإبداعية لـFAME Collective
FAME Collective هي منصّة تحتفي بمواهب النساء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتسلّط الضوء على إبداعاتهنّ وقصصهنّ ورؤيتهنّ المعاصرة.
كيف تغيّرت نظرة المستهلك في الشرق الأوسط إلى الرفاهية خلال السنوات الأخيرة، وما أبرز التحوّلات التي طرأت على خياراته؟
أصبح المستهلك في الشرق الأوسط أكثر وعياً بما يختار، وأكثر ثقة بذوقه الخاص. لطالما عُرفت المنطقة بتقديرها للجودة والحِرفيّة، لكن السؤال اليوم لم يعد يقتصر على ما هيّة القطعة، بل يمتدّ إلى ما يقف خلفها. في المقابل، أصبحت الرغبة في التفرّد أكثر وضوحاً. بالنسبة لي، تتحرّر الرفاهية في الشرق الأوسط تدريجياً من الاستعراض لتصبح مرادفاً لحسن الاختيار.
يبحث المستهلك اليوم عن أكثر من مجرّد منتج، فهو يريد تجربة وقصّة ولمسة شخصيّة. كيف تواكب FAME Collective هذه التطلّعات؟
هذه الفكرة شكّلت جوهر FAME Collective منذ البداية. لم أرد لها أن تكون منصّة بيع تقليديّة تبدأ بالمنتج وتنتهي عند شرائه، فالقطعة بالنسبة إلينا ليست سوى بوابة إلى عالم أوسع. سرد القصص حاضر في كلّ ما نقوم به من خلال المعارض، الأفلام، الحوارات، اللّقاءات الحميمة والتعاونات، وصولاً إلى الطريقة التي نصوغ بها مساحاتنا وننسّقها. أما التخصيص، فيبدأ من العلاقة التي نبنيها مع مجتمعنا.
من موقعكِ كمتجر يجمع علامات إقليميّة وعالميّة، ما أبرز التحوّلات التي ترسم مستقبل تجارة الرفاهية في الشرق الأوسط؟
- أصبح العميل أكثر جرأة في الجمع بين عوالم مختلفة.
- ازدياد الاهتمام بالفئات التي تظهر فيها الحِرفية والتفرّد بوضوح.
- الثقة المتنامية بالمصمّمين الإقليميّين. فالمستهلك بات يتطلّع إلى الشرق الأوسط بحثاً عن علامات تمتلك وجهة نظر واضحة، سرديّة قويّة، وارتباطاً أصيلاً بالثقافة والهويّة. وفي الوقت نفسه، لم يتراجع اهتمامه بالدور العالميّة، لكنه أصبح أكثر انتقائيّة في خياراته.
كيف تغيّر معنى الرفاهية؟
في زمنٍ يستطيع فيه الذكاء الاصطناعيّ إنتاج صور مُتقنة خلال ثوانٍ، لم تعد المثاليّة امتيازاً نادراً. أمّا ما يحتاج إلى وقت وصبر ويدٍ بشريّة، فأصبح أكثر قيمة من أيّ وقت مضى. لذلك، عاد الاهتمام بالتطريز اليدويّ، الخامات التي تحتفظ بملمسها الطبيعيّ، التفاصيل غير المتطابقة تماماً، رسومات الأتيليه الأولى، وكلّ ما يكشف عن لمسة إنسانيّة لا خوارزميّة. وهكذا، تغيّر معنى الرفاهية. في الماضي، كان يكفي أن تحمل القطعة شعاراً بارزاً، أو سعراً مرتفعاً، أو أن تكون صعبة المنال لتُصنَّف ضمن عالم الفخامة. أمّا اليوم، فأصبحت قيمتها تُقاس بما لا يظهر للعين مباشرة: الوقت الذي استغرقه تنفيذها، الحرفيّة التي تقف وراءها، أصل خاماتها، والقصّة التي تحملها. ولا يقتصر هذا التحوّل على الخطاب التسويقيّ، بل يظهر بوضوح في توجّهات دور مثل Hermès وLoro Piana وLoewe، التي تضع جودة الخامات والحرفيّة والوقت المُستغرق في التنفيذ في صلب قيمة المنتج، أكثر من اعتمادها على الشعارات أو المظاهر الصاخبة.
مقابلة مع المصّمم Moulham Obid
مصمم يُعيد تعريف الكوتور من خلال تصاميم تجمع بين البناء الهندسيّ والنعومة الأنثويّة. التول، الحرير والتطريز اليدوي تتحوّل بحِرفية دقيقة إلى قطع منحوتة تحتفي بالحركة، التفاصيل وشخصيّة المرأة التي ترتديها.
كيف تطوّرت هويّة الموضة في الشرق الأوسط خلال العقد الماضي، وإلى أين تتّجه برأيك في المرحلة المقبلة؟
أعتقد أنّ الموضة في الشرق الأوسط أصبحت أكثر ثقةً بهويّتها، ولم تعد تسعى إلى التوافق مع الصورة الغربيّة. وفي المرحلة المقبلة، أتوقّع مزيداً من التنوّع، إذ لا توجد هويّة جماليّة واحدة للمنطقة، وهذا تحديداً ما يعزّز مكانتها في عالم الموضة.
ينجذب المستهلكون اليوم أكثر إلى العلامات التي تمتلك هويّة واضحة. كيف تترجم هويّة علامتك وقيمها في كلّ مجموعة؟
الرقّة والقوّة هما جوهر علامة Moulham Obid. أترجم ذلك من خلال الأحجام، الطبقات، الأقمشة الشفّافة، القصّات المنحوتة والأعمال اليدويّة الدقيقة. فقد يبدو الأسلوب لافت وقويّ، رغم تنفيذها بقماش رقيق مثل التول. كما تحتلّ الحرفيّة مكانة أساسيّة وبخاصّةٍ التطريز وأعمال الخرز، ويُنفّذ جزء من هذا العمل بالتعاون مع حرفيّات في سوريا يعملن من منازلهنّ.
برأيك، ما الذي سيميز الجيل المقبل من العلامات الإقليميّة على الساحة العالميّة؟
أعتقد أنّ العلامات الأبرز ستكون تلك القادرة على الجمع بثقة بين هويّتها الثقافيّة ونظرتها العالميّة. فالإرث لا يحتاج دائماً إلى ترجمة حرفيّة في التصميم، بل يمكن أن يظهر في الحرفيّة، القيم، سرد القصص أو حتى طريقة بناء العلامة.
لماذا تستعير الموضة لغتها من الماضي؟
من العصر الفيكتوريّ إلى البوهيميّة، ومن الخياطة الكلاسيكيّة إلى الحِرف التقليديّة، يبدو أنّ الموضة تعود باستمرار إلى التاريخ. لكنّها لا تفعل ذلك بدافع الحنين، فقد أصبح الماضي قاموساً بصريّاً تستعير منه دور الأزياء رموزاً تعبّر بها عن الحاضر. فالأسلوب الفيكتوريّ يعكس الانضباط، والكاب يوحي بالحماية، والدانتيل يعبّر عن الأنوثة... تحمل التفاصيل التاريخيّة طبقات من المعاني تتجاوز شكلها الخارجيّ. برز هذا التوجّه في مجموعة Prada لخريف وشتاء 2026 بعنوان Simple Stories، حيث استعانت الدار بلغة السينما لتقديم شخصيّات وحكايات بدلاً من الاكتفاء باستعراض الملابس. وفي المقابل، قدّمت Louis Vuitton الملابس بوصفها وسيلة للتعبير عن الحماية والانتماء، في إشارة إلى تحوّل التصميم من وظيفة جماليّة بحتة إلى لغة تحمل بُعداً إنسانيّاً.
مقابلة مع المصّممة Karine Tawil ومؤسسة علامة Karoline Lang
مصمّمة أزياء لبنانية ومؤسسة Karoline Lang، المعروفة برؤيتها المعاصرة التي تجمع بين الحرفية، الأناقة والتصاميم ذات الطابع المعماري
كيف تترجمين هويّة علامتكِ وقيمها في كلّ مجموعة؟
في Karoline Lang، ينطلق كلّ شيء من الثنائيّات: البنية والانسيابيّة، القوّة والخفّة، الفكر والحدس. أريد للملابس أن تمنح إحساساً بالقوّة من دون أن تكون مقيّدة، وأن تبدو القطع وكأنها صُمّمت لتكون بمثابة بشرة ثانية، بحضور هادئ وواثق بعيداً عن المبالغة.
ما الذي سيحدّد ملامح الجيل المقبل من علامات الأزياء في المنطقة على الساحة العالميّة؟
امتلاك رؤية قويّة وأصيلة. العلامات التي ستستمرّ هي تلك التي تجمع بين الحرفيّة الاستثنائيّة والرؤية المتكاملة، تلك المتجذّرة في هويّتها والواثقة بما يكفي لتخاطب العالم بلغة عالميّة.
كيف تطوّرت هوية الموضة في الشرق الأوسط خلال العقد الماضي، وإلى أين ترين أنها تتجه في المرحلة المقبلة؟
تجاوزت الموضة في الشرق الأوسط الصورة النمطيّة الواحدة التي غالباً ما ارتبطت بالطابع الزخرفيّ. اليوم، باتت تعبّر عن أصوات متعدّدة ومتميّزة، متجذّرة في المنطقة ومنفتحة في الوقت نفسه على العالم. أعتقد أن مستقبلها يكمن في قدرة المصمّمين على التعبير عن إرثهم بحريّة، من دون الشعور بالحاجة إلى شرحه أو ترجمته للآخرين.
هل تنتهي القصّة عند منصّة العرض؟
في السابق، كانت المجموعة هي النهاية. أمّا اليوم فتستمرّ القصّة عبر الحملات الإعلانيّة، الأفلام، المعارض، الكتب، تصميم المتاجر، التجارب الرقميّة، وحتى الموسيقى. لم تعد دور الأزياء تبتكر مجموعات فقط، بل تبني عوالم كاملة، ولهذا أصبح المنتج جزءاً من قصّة أكبر.
لمَن تصمّم الموضة اليوم؟
اعتادت دور الأزياء لعقود أن تخاطب فئات محدّدة من المستهلكين، أمّا اليوم، فقد تغيّر الأمر بالكامل. لم تعد المجموعات تُبنى حول احتياجات يوميّة، بل حول شخصيّات مُتكاملة، لكلّ منها عالمه الخاصّ، وأسلوبه في الحياة، ورؤيته للجمال. فالمرأة المثقّفة تفضّل البساطة المدروسة، والرومانسيّة تستعير تفاصيلها من الماضي، والمتمرّدة تكسر القواعد، والفنّانة تتعامل مع الملابس كوسيلة للتعبير عن الذات. كما أنّ صيحات الإنترنت، مثل Mob Wife وFisherman وBalletcore، لا تعبّر في جوهرها عن اتّجاهات عابرة، بل عن شخصيّات متخيّلة يجد الناس متعة في تقمّصها.
في المستقبل... مَن سيربح؟
بالطبع، لن تربح أجمل علامة، بل الدار التي ستقدّم رؤية يصعب تقليدها، ذاكرة، وحرفيّة، وتلك التي ستتمكّن من لمس المشاعر الإنسانيّة. لذلك، قد تكون الرفاهية الحقيقيّة في السنوات المقبلة أقلّ ارتباطاً بما نرتديه، وأكثر ارتباطاً بما نؤمن به.
