شكّل عام 2025 نقطة فاصلة في عالم الموضة والجمال، حيث أعاد ترتيب المشهد بالكامل. لم تتغيّر الصيحات فحسب، بل تغيّر السؤال نفسه: من يُحدّد الذوق؟ من يُحرّك الرغبة؟ ومن يقرّر ما نعتبره معاصراً اليوم؟ في هذا العام، تداخلت العوالم، وسقطت الحدود بين الموضة والجمال، بين الثقافة والإعلام، بين المنتج والقصّة. المصمّم أصبح استراتيجيّاً، المستهلك استعاد صوته، والشاشات تحوّلت من منصّات عرض إلى محرّكات ذوق وهويّة. لم تعد القيمة في الجديد، بل في المعنى، ولم تعد الفخامة تُقاس بالندرة وحدها، بل بالانتماء. في هذا التقرير نسلّط الضوء على 2025 كعام إعادة ضبط شاملة: عام انتقلت فيه القوّة من الصيحات إلى السرديّات، ومن الضجّة إلى العمق، ومن التقليد إلى التعبير الشخصيّ. أمّا عام 2026، فنستشرف فيه مرحلة تتجسّد فيها الهويّة كأعلى أشكال الرفاهية، حيث لا يقتصر دورنا على استهلاك الموضة والجمال والترفيه، بل نصبح جزءاً منها ونعيشها بكلّ تفاصيلها.
2025... عام الثورة الإبداعيّة
قادة الموضة الجدد: إبداع بلا حدود
في العام 2025، لم يكن التغيير في عالم الموضة شكليّاً، بل بنيويّاً. تغيّرت القيادات الإبداعيّة، وتبدّل دور المصمّم من مبدع إلى مفكّر، استراتيجي، ووسيط ثقافيّ يفهم المنتج والسوق والسياق في آنٍ واحد.
Matthieu Blazy x Chanel
مع تعيين Matthieu Blazy مديراً إبداعيّاً لـChanel، دخلت الدار مرحلة جديدة تُعيد تعريف العلاقة بين الإرث ومتطلبات العصر. لم يتعامل Blazy مع Chanel كأرشيف محفوظ، بل كلغة حيّة تتطوّر داخل المدينة والشارع والزمن. مجموعته الأولى خلال أسبوع الموضة لربيع وصيف 2026 جاءت كتفكيك ذكيّ لرموز الدار، أعاد فيها صياغة الأناقة من منظور عمليّ ومعاصر. عرض Métiers d’Art في مترو نيويورك كان بمثابة رسالة واضحة: Chanel لم تعد بعيدة عن الإيقاع اليوميّ، بل أصبحت جزءاً منه.
توقّعات 2026
ستواصل Chanel هذا النهج من خلال عروض أكثر تفاعلاً وقرباً من الجمهور، وعبر ربط الأرشيف بالابتكار الرقميّ، ما سيعزّز حضورها لدى الجيل الجديد الذي يبحث عن الأصالة من دون تكلّف.
Jonathan Anderson x Dior
Jonathan Anderson لم يدخل Dior ليُجامل تاريخها، بل ليُعيد برمجة هويّتها. من خلال مجموعاته الرجاليّة والنسائيّة لموسم ربيع وصيف 2026، قدّم رؤية متكاملة تُوازن بين الذكورة والأنوثة، الحرفيّة والعاطفة، الماضي والمستقبل. إعادة تفسير الرموز الأيقونيّة لم تأتِ كحنين، بل كإعادة تعريف لهويّة Dior بلغة معاصرة وعميقة.
توقّعات 2026
سيواصل Anderson توسيع لغة Dior البصريّة والفنيّة، مع تجارب أكثر حسيّة وربط أوضح بين التراث والتخصيص والابتكار، ما سيُعزّز مكانة الدار كمرجعٍ للفخامة المعاصرة.
Demna x Gucci
تعيين Demna في Gucci كان قراراً استراتيجيّاً بامتياز. بعد مرحلة من الارتباك وتراجع المبيعات، جاء ليُعيد للدار حضورها عبر صدمة إبداعيّة محسوبة. في مجموعته الأولى La Famiglia، أعاد تعريف هويّة الدار بلغة ثقافيّة معاصرة تُدرك كيف يُصنع الضجيج… وكيف يُباع.
توقّعات 2026
ستعزّز Gucci مكانتها كدار تقود الحوار الثقافيّ، عبر عروض وتجارب تفاعليّة، تُخاطب جيلاً يبحث عن الجرأة والمعنى.
Pierpaolo Piccioli x Balenciaga
مع Pierpaolo Piccioli، استعادت Balenciaga توازنها. رؤيته لم تعتمد الصخب، بل العمق. من خلال الجمع بين إرث Cristóbal Balenciaga ورؤيته الخاصّة، أعاد Piccioli كتابة قصّة الدار بلغة أقلّ ضجيجاً وأكثر تركيزاً على المشاعر، مع الاهتمام بالحِرفيّة والبُنية والجمال الهادئ.
توقّعات 2026
ستتّجه Balenciaga نحو ابتكارات مدروسة، تعزّز الأصالة والحرفيّة وتخاطب جمهوراً يبحث عن العمق لا الاستعراض.
تعاونات شكّلت عام 2025
- مجموعة Artycapucines VII من تعاون Louis Vuitton x Takashi Murakami
- Christian Louboutin x Maison Margiela
- Valentino x Vans
- Balenciaga X Puma
- Swarovski x Crocs
تحوّل القوّة: مَن يسيطر على السوق الآن؟
المستهلك يستعيد السيطرة
في 2025، تغيّرت قواعد التأثير. لم تعد القوّة لمن يظهر أكثر، بل لمن يُقنع أكثر. المستهلك أصبح انتقائيّاً، واعياً، ورافضاً للاستهلاك المفرط. الصيحات السريعة فقدت قدرتها على الإبهار، بينما اكتسب السرد الهادئ، القيمة، والمعنى مكانة أعلى. لم يعد الولاء يُشترى عبر الضجّة، بل يُبنى عبر الثقة. المجتمعات الصغيرة، البحث الشخصيّ، والتقييم الجماعيّ أصبحت أدوات التأثير الجديدة.
توقّعات 2026
بحسب تقرير The State of Fashion 2026 الصادر عن The Business of Fashion وMcKinsey، سيشكّل عام 2026 مرحلة جديدة في سلوك المستهلك، حيث سيصبح أكثر وعياً بقيمه واحتياجاته، ما يفرض على العلامات التجاريّة تقديم تجارب ذات معنى وقيمة لتواكب السوق المتقلّب الذي يعتمد على التكنولوجيا والتفاعل الرقميّ.
المؤثّرات: تحوّل لا اختفاء
قوّة المؤثّرات لم تنتهِ، لكنّها تغيّرت. الهيمنة الجماهيريّة تراجعت لصالح أصوات أصغر وأكثر تخصّصاً، تبني علاقة حقيقيّة مع جمهورها.
توقّعات 2026
المؤثّرات سيصبحن شريكات في صناعة المحتوى والتجارة، مع تركيز على الخبرة والصدق والتأثير الفعليّ.
الذكاء الاصطناعيّ وإعادة تعريف التسوّق
في 2025، تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة بحث إلى مساحة تفاعليّة للاكتشاف ودعم قرار الشراء عبر تقديم توصيات ذكيّة.
توقّعات 2026
بحسب تقرير نشرته مجلّة Forbes، من المتوقّع أن ينمو التسوّق عبر الذكاء الاصطناعي بشكل كبير في العام 2026، حيث ستعتمد المتاجر بشكل متزايد على أنظمة ذكيّة تساعد في اتّخاذ قرارات الشراء وتقديم تجارب مخصّصة للعملاء.
عصر لفت الأنظار
من Clean Girl إلى Maximalism
انتهى عصر البساطة المُفرطة. في 2025، بدأ المستهلكون بالبحث عن الجرأة، التفاصيل، والتعبير عن الذات. الماكسيماليزم لم يعد ترفاً، بل لغة شخصيّة.
توقّعات 2026
التعبير الفرديّ سيقود الموضة والجمال، مع الاحتفاء بالمبالغة، التخصيص، والعاطفة.
Archival Dressing: الماضي قيمة مضافة
اختيار الماضي أصبح وسيلة لإثبات العمق والتميّز في زمن الاستهلاك السريع.
توقّعات 2026
الأرشيف سيبقى أداة ثقافيّة لإعادة تعريف القيمة والهويّة.
إطلالات خطفت الأضواء على السجّادة الحمراء:
من القصص إلى الموضة: كيف تغيّر الشاشات اتّجاهاتنا
في العام 2025، لم تعد الثقافة تُبثّ… بل أصبحت تُدار. استحواذ Netflix على Warner Bros شكّل لحظة مفصليّة، حيث أصبحت القوّة الثقافيّة بيد منصّة واحدة تملك القصص، الوجوه، الموسيقى، والحنين، وتعيد توزيعها عالميّاً بإيقاعها الخاصّ. ومع تخمة المحتوى، تقدّمت القصّة على الصيحة، والانتماء على الحداثة السريعة.
العلامات التجاريّة التي نجحت لم تكتفِ بإطلاق منتجات، بل دخلت عوالم ثقافيّة أوسع: تعاونت مع فنّانين، موسيقيّين، وأعمال فنيّة، فتلاشت الحدود بين الموضة، الجمال، والترفيه.
توقّعات 2026
ستصبح الشاشة هي المدرّج، والقصّة ستسبق المنتج. الإعلان التقليديّ سيتراجع، بينما سيصبح الحضور داخل عالم ثقافيّ متكامل هو العملة الأهم. التأثير لن يُقاس بعدد المشاهدات، بل بعمق الانتماء.
عالم واحد: عندما تندمج الموضة، الجمال واللايف ستايل
في العام 2025 ،تلاشت الحدود بين الموضة، الجمال، اللايف ستايل، الإعلام، والتكنولوجيا.لم تعد كلّ صناعة تعمل بمعزل عن الأخرى: المصمّمون أطلقوا خطوط جمال، المسلسلات والبرامج ألهمت إطلاق منتجات، والتجارب التقنيّة دخلت عالم الموضة والجمال لخلق تفاعل جديد مع الجمهور. لم يعد المستهلك يرى المنتجات كفئات منفصلة، بل يعيش في عوالم ثقافيّة مُتكاملة حيث الجمال واللايف ستايل جزء من تجربة واحدة.
اتّضح أنّ الاتّجاهات لم تعد تُحدّد بالمنتجات فقط، بل بالقصص والعوالم المحيطة بها. العلامات التجاريّة التي بقيت في عزلة فقدت تأثيرها، بينما نجحت تلك التي دمجت الموضة، الجمال، واللايف ستايل لخلق قوّة ثقافيّة حقيقيّة.
توقّعات 2026:
بحلول 2026، لن تحقّق العلامات التجاريّة النجاح إلاّ إذا عملت كمنظومة ثقافيّة متكاملة. ستصبح جاذبيتها مرتبطة بقوّة السرد والتواصل العاطفيّ أكثر من الاعتماد على صيحات مؤقّتة. في هذا العالم الجديد، لن يقاس النجاح بالمنتج وحده، بل بالقدرة على خلق عالم كامل يعيشه المستهلك ويصبح جزءاً من حياته وهويّته.
