مع بدء كأس العالم 2026، لم تعد كرة القدم تُهيمن على الأخبار الرياضيّة فحسب، بل باتت تؤثّر أيضاً في اتّجاهات الموضة، ومجموعات الأزياء، وإطلالات المشاهير، وحتى في الطريقة التي يعبّر بها الناس عن هويّتهم. قبل أشهر من انطلاق البطولة في الولايات المتّحدة وكندا والمكسيك، بدأت العلامات التجاريّة بتبنّي ثقافة كرة القدم من خلال مجموعات مستوحاة من الملاعب، وقطع رياضيّة بطابع نوستالجي، وتصاميم تحتفي بروح اللعبة. لم يعد الأمر يتعلّق ببطولة رياضيّة فحسب، بل بتحوّل ثقافيّ أوسع. فقد أصبح كأس العالم ظاهرة بصريّة عالميّة، لا تقلّ فيها أهميّة الصورة والأناقة عن أهميّة المباريات نفسها. ومع ترقّب الجماهير للأغنية الرسميّة للبطولة بقدر ترقّبهم للمواجهات الكبرى، تحوّل هذا الحدث، الذي تتقاطع فيه الموسيقى والموضة والثقافة الشعبيّة، إلى منصّة عالميّة قادرة على صناعة الاتّجاهات وتشكيل المزاج الثقافيّ حول العالم، ما يجعله فرصة استثنائيّة للعلامات التجاريّة الساعية إلى ترسيخ حضورها في قلب اللحظات الأكثر تأثيراً وانتشاراً.
لماذا تنجذب الموضة إلى كرة القدم اليوم؟
استعداداً لأكبر نسخة من كأس العالم في التاريخ، ازدادت أهميّة كرة القدم كظاهرة ثقافيّة عالميّة. البطولة تجمع 48 منتخباً وتستقطب مليارات المشاهدين حول العالم، ما يجعلها واحدة من الأحداث القادرة على توحيد الاهتمام العالميّ في اللحظة نفسها. بالنسبة للموضة، هذا النوع من الارتباط العاطفيّ لا يقدّر بثمن. العلامات الفاخرة تمضي سنوات في محاولة بناء علاقة قويّة مع جمهورها، بينما تمتلك كرة القدم ما تسعى إليه هذه العلامات: الولاء، الهويّة، التاريخ، والانتماء. فالمشجّعون لا يختارون فِرَقهم بشكل عابر، بل يرِثونها، ويدافعون عنها، ويرتدون ألوانها، ويعيشون انتصاراتها وخساراتها. لهذا السبب، أصبحت الموضة تستلهم بشكل متزايد من رموز كرة القدم، سواء من خلال الألوان، أو الشعارات، أو الأوشحة، أو حتى طقوس التشجيع نفسها.
كرة القدم... الثقافة الأصليّة للـFandom
قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، كانت كرة القدم تصنع مجتمعات كاملة وتنسج روابط انتماء تتجاوز حدود الملاعب. لم يكن تشجيع فريق معيّن مجرّد موقف رياضيّ، بل هوية بصريّة تعكسها الألوان، القمصان، والأعلام المرفوعة في المدرّجات، حتّى الأغاني والهتافات التي يتوارثها المشجّعون جيلاً بعد جيل. وقد شكّلت هذه العناصر مجتمعة لغة بصريّة وثقافيّة مشتركة تجمع ملايين الأشخاص حول العالم.
اليوم، تعيد الموضة اكتشاف هذه اللغة واستثمارها. ففي عصر أصبحت فيه الملابس وسيلة للتعبير عن الذات والانتماءات الشخصيّة، تحوّلت قمصان كرة القدم إلى رموز ثقافيّة تحمل قصصاً وذكريات وهويّات جماعيّة. وهذا ما يفسّر عودة القمصان الكلاسيكيّة لمنتخبات مثل البرازيل والأرجنتين وأندية مثل ACMilan وArsenal إلى الواجهة، ليس فقط بين عشاق الرياضة، بل أيضاً بين محبي الموضة. قطع تجسّد الحنين في عصر أصبحت فيه النوستالجيا واحدة من أقوى القوى المحرّكة للموضة.
كيف أصبحت كرة القدم لغة جديدة للموضة؟
لم يحدث هذا التحوّل بين ليلة وضحاها. فمع مرور السنوات، انتقلت الملابس الرياضيّة من كونها وظيفيّة إلى وسيلة للتعبير الشخصيّ. السترات الرياضيّة، الأحذية الكلاسيكيّة، الخامات التقنيّة، والتفاصيل المستوحاة من الملاعب أصبحت جزءاً من خزانة الملابس اليوميّة.
ثم جاءت موجة Blokecore لتسرّع هذا التحوّل، حيث أصبح تنسيق قمصان كرة القدم مع التنانير، أو الجينز، أو القطع الفاخرة أمراً شائعاً على منصّات التواصل الاجتماعي. وسرعان ما انتقلت هذه الظاهرة إلى منصّات العروض. لطالما استلهمت علامات مثل Martine Rose وWales Bonner وBalenciaga وPrada من عالم الرياضة وكرة القدم، سواء من خلال القصّات أو الألوان أو الروح العامّة للمجموعة.
عندما تتنافس الموضة على كأس العالم
إذا كان مونديال 2026 يؤكّد شيئاً واحداً، فهو أنّ الموضة لم تعد تراقب كرة القدم من المدرّجات، بل أصبحت جزءاً من اللعبة نفسها.
- حملة Adidas الجديدة المستوحاة من مسيرة Mohamed Salah، والتي تشارك فيها الممثلة المصريّة Huda El Mufti، لا تركّز على الأداء الرياضي فقط، بل تروي قصّة الطموح والنجاح والهويّة، وهي القيم نفسها التي تسعى الموضة إلى ترجمتها اليوم.
- اختارت Burberry زاوية مختلفة من خلال حملة "A Good Sport"، التي تحتفي بالمشجّعين وثقافة يوم المباراة أكثر من احتفائها بالنجوم داخل الملعب.
- أعادت Boss تقديم مفهوم Fanwear من خلال مجموعة مستوحاة من منتخبات مثل البرازيل والأرجنتين وفرنسا وإنجلترا، لكن بأسلوب أكثر أناقة ورقيّاً، يعكس كيف أصبحت الملابس الرياضيّة جزءاً من الحياة اليوميّة خارج الملاعب.
- أعادت Dolce & Gabbana وDiadora إطلاق حذاء Brasil الأسطوري الذي ارتبط بأسماء مثل Roberto Baggio وMarco Van Basten، مع إضافة لمسات جماليّة جريئة تعكس هويّة الدار المعروفة.
- قدّم Simon Porte Jacquemus بالتعاون مع Nike والاتّحاد الفرنسي لكرة القدم نموذجاً آخر لهذا التوجّه، من خلال مجموعة تستلهم من أرشيف كرة القدم في التسعينيّات، وتعيد تفسيره من منظور فرنسي معاصر، مؤكّداً أنّ كرة القدم أصبحت مادّة ثقافيّة يمكن للموضة إعادة صياغتها بطرق متعدّدة.
لا تقتصر هذه الظاهرة على الملابس فقط، بل تمتدّ إلى بناء قصص حول اللاعبين والمنتخبات. مجموعة Kith x Adidas Football x Lionel Messi تحتفي بمرور عشرين عاماً على انطلاق مسيرة Messi الاحترافيّة، بينما أعلنت Loewe عن شراكة تمتدّ لـ4 سنوات مع المنتخب الإسباني للرجال والسيدات، لتصبح مسؤولة عن تصميم إطلالاتهم الرسميّة خارج الملعب.
النساء غيّرن قواعد اللعبة
أحد أبرز أسباب نجاح موضة كرة القدم يعود إلى النساء. فقد أعدن تقديم الملابس الرياضيّة بطريقة أكثر عصريّة وأناقة. أصبحت تُرتدى كفستان، أو تُنسّق مع الكعب العالي، أو يُضاف إليها المجوهرات والحقائب الفاخرة. كما أصبحت لاعبات كرة القدم أنفسهن أيقونات موضة، حيث تحظى إطلالاتهن خارج الملعب باهتمام متزايد، لا يقلّ أحياناً عن الاهتمام بأدائهن الرياضي. كذلك، على منصّات التواصل الاجتماعي، يتّجه عشاق الموضة إلى إضافة لمسات شخصيّة على القمصان والقطع المستوحاة من كرة القدم من خلال الخرز، والرقع المطرّزة، والرسومات اليدويّة، والتطريزات، وحتى الـCharms التي تحمل ألوان المنتخبات أو رموزها.
من نجوم الملاعب إلى سفراء الموضة
جزء كبير من انجذاب الموضة إلى كرة القدم اليوم يعود أيضاً إلى التحوّل الذي شهده اللاعبون أنفسهم. فنجوم اللعبة أصبحوا شخصيّات ثقافيّة مؤثّرة تمتدّ شهرتها إلى عالم الأزياء والجمال والترفيه. رسّخ David Beckham هذا النموذج منذ سنوات، قبل أن تتبعه أجيال جديدة من اللاعبين الذين يجمعون بين النجوميّة الرياضيّة والتأثير الثقافي. يُعدّ Jude Bellingham أحد أبرز الأمثلة على ذلك، حيث أصبح من الوجوه المرتبطة بعالم Louis Vuitton، بينما تعاون Kylian Mbappé مع Dior في أكثر من مناسبة. كذلك، أصبحت لاعبات مثل Leah Williamson وغيرها من نجمات كرة القدم النسائيّة يحظين باهتمام متزايد من عالم الموضة بفضل أسلوبهن الشخصيّ وحضورهن خارج الملعب، ما ساهم في توسيع صورة كرة القدم كمنصّة ثقافيّة أكثر تنوّعاً وشمولاً. ومع تزايد حضور اللاعبين واللاعبات في الصفوف الأماميّة لعروض الأزياء، وحملات العلامات الفاخرة، وأغلفة المجلات العالميّة، باتت الحدود بين عالم الرياضة وعالم الموضة أكثر ضبابيّة من أيّ وقت مضى.
