نشأت مريم الحميد في مرسم والدها حيث كان الفنّ جزءاً من الحياة اليوميّة. هناك، تشكّل وعيها البصريّ الأول، وتكوّنت علاقتها المُبكرة بالمساحة، واللون. اليوم، تقدّم الفنّانة القطريّة وأستاذة VCUarts قطر، أعمالاً تبحث في الهويّة والذاكرة والتحوّل، موثّقةً انتقال المنطقة من ماضيها إلى مستقبلها بحساسيّة فكريّة وانضباط بصريّ. بالنسبة لها، النجاح هو انسجام عميق بين ما تؤمن به وما تصنعه... بين جذورها في الدوحة وصوتها الذي يخاطب العالم.
نشأتِ في بيئة فنيّة، متى أدركتِ أنّ الإبداع ليس مجرّد محيط تعيشين فيه، بل جزء من هويّتكِ؟
كبرتُ في مرسم والدي، أراقب اللوحات وهي تتحوّل من مساحات بيضاء إلى عوالم كاملة. لفترة طويلة، كان الفنّ أشبه بالهواء في منزلنا. لكنّني أدركت أنّه جزء منّي حين بدأت أقدّم أعمالاً تحمل أسئلتي الخاصّة عن الذاكرة والتحوّل. عندها لم يعد الإبداع شيئاً موروثاً فحسب، بل أصبح هويّة.
خلال نشأتكِ، ما السمة التي ميّزت شخصيّتكِ، هل كنتِ فضوليّة، هادئة، متمرّدة؟
كنتُ مُنضبطة، هادئة ودقيقة الملاحظة، خاصّة مع نفسي. فضولي كان صامتاً، أراقب كلّ شيء، وأحلّل كلّ شيء. كنتُ أبحث دائماً عن فهم طريقة تشكّل الأشياء: الأنظمة، الأنماط، الحكايات، الإنتاج، والخامات.
هل شككتِ يوماً في الطريق الذي اخترته؟ وماذا كانت تحتاج تلك النسخة الأصغر منكِ أن تسمع؟
بالتأكيد. كلّ مبدع يمرّ بحالة الشك، خصوصاً عندما لا يندرج عمله ضمن تصنيف واضح. تلك النسخة الأصغر منّي كانت بحاجة أن تسمع: "لا يجب أن يشبه طريقكِ طريق أحد كي يكون صحيحاً". ففي المساحات الرماديّة تولد لغة جديدة.
أعمالكِ مرتبطة بالهويّة والذاكرة. ما القصص التي تجذبكِ اليوم؟
أنجذب حاليّاً إلى قصص التحوّل. كيف انتقلت قطر ومنطقتنا من سواحل اللؤلؤ إلى حقول الغاز، ومن الرسائل المكتوبة بخط اليد إلى الأنظمة الرقميّة. أريد توثيق هذا التغيير، من دون أن نفقد حساسيّته ودفئه.
كيف تعرّفين النجاح؟ وهل تغيّر تعريفكِ له مع الوقت؟
النجاح بالنسبة لي هو الانسجام. أن يكون هناك تطابق بين من أكون، وما أؤمن به، وما أقدّمه. إذا كان عملي صادقاً، وحرّك مشاعر الناس، حتى ولو بصمت فهذا نجاح.
كامرأة مبدعة من الخليج، هل تشعرين بمسؤوليّة تمثيل نساء المنطقة؟
نعم، ولكن ليس بطريقة استعراضيّة، أشعر بمسؤوليّة إظهار عمق نساء المنطقة. نساء الخليج متعدّدات الطبقات: مثقّفات، استراتيجيّات، رقيقات، طموحات، متجذّرات ومنفتحات على العالم في آنٍ واحد. التمثيل ليس لإثبات وجودنا، بل لتأكيد أنّنا كنّا هنا دائماً… نبني ونؤثّر.
صفي لنا يوماً تقليديّاً في حياتكِ، هل هو منظّم أو مليء بالفوضى الجميلة؟
أصفه بالفوضى المنظّمة. أُدرّس في VCUarts قطر، وأتنقّل بين الإنتاج في الاستوديو، الاجتماعات، المختبرات، الرسائل، والبحث. لكنّني أحرص أيضاً على الحفاظ على طقوسي اليوميّة التي تعيد لي توازني الذهنيّ والجسديّ.
أي جزء من عملكِ يمنحكِ السعادة الأكبر: الفكرة، التنفيذ، أم ردود الفعل؟ العمليّة نفسها: لحظة تحويل الفكرة إلى مادّة... نسج الصوف، صبّ الروكيت، بناء الشبكات. تلك اللحظة التي يتحوّل فيها الفكر إلى شيء ملموس، هي السحر بذاته.
عندما تنظرين إلى المرحلة المقبلة، ما الذي يحمّسكِ أكثر؟
التوسّع، التعمّق في البحث والأرشيف. أن يصبح هذا الفنّ حواراً دوليّاً ويبقى متجذّراً في الدوحة. متحمّسة لبناء منظومات مُتكاملة، لا مجرد أعمال مُنفردة.
أسئلة سريعة مع مريم الحميد
كلمة تصفكِ الآن؟
في حالة تطوّر.
مخاطرة غيّرت مساركِ؟
أن أكون صادقة مع نفسي، مع حرفتي، ومع ما أريد صناعته.
عادة لا تتخلّين عنها؟
الحركة والتمرين، يصفّيان ذهني.
من هو مصدر إلهامكِ الدائم؟
والدي يوسف أحمد، لانضباطه ونزاهته، ووالدتي التي ترى الجمال في كلّ شيء.
عادة إبداعيّة لا تتخلّين عنها؟
الموسيقى! لا يمكن أن أبدع من دونها.
ماذا تفعلين حين تشعرين بعدم الإلهام؟
أنفصل قليلاً، أمشي، أجلس في هدوء.
أفضل نصيحة تلقّيتها؟
الحفاظ على الانضباط والاستمراريّة.
لو كان لهذه المرحلة عنوان، ماذا يكون؟
إدراك أنّ كلّ شيء في الحياة مترابط.
