الموضة اليوم لا تمرّ بمرحلة انتقاليّة، بل تعيد تعريف نفسها. تبديل المدراء الإبداعيين لم يعد حركة إداريّة داخل الدور الكبرى، بل إعلاناً عن تحوّل ذهنيّ في فهم الفخامة نفسها. خلال العامين الماضيين، كشفت موجة التعيينات الجديدة أنّ اختيار المدير الإبداعيّ هو "اختيار للمستقبل". تعيينات Chanel، Dior، Gucci،Balenciaga وBottega Veneta تعكس أسئلة جوهريّة: كيف يُدار الإرث؟ ما قيمة الارتباط الثقافيّ؟ وهل أصبحت الرهافة أقوى من الاستعراض؟ في هذا السياق، لم يعد المدير الإبداعيّ مصمّماً فقط، بل عقلاً استراتيجيّاً ومهندس صورة. فبعد عقد من المبالغة، تدخل الفخامة اليوم مرحلة إعادة ضبط، حيث يعود المعنى، والحِرفة، والوضوح إلى الصدارة.
Matthieu Blazy
الصحوة الفكريّة في CHANEL
المدير الإبداعيّ لدار Chanel ليس منصباً، إنّما وصاية على واحدة من أعرق دور الأزياء في التاريخ. مع Matthieu Blazy تدخل Chanel مرحلة جديدة تقوم على التنقيح الذكيّ :سترة التويد وزهرة الكاميليا ما زالتا حاضرتين، القصّات أصبحت أكثر ليونة والأنوثة تظهر أكثر صدقاً في التصاميم.
إذا كانت المواسم السابقة تميل إلى الطابع الاحتفاليّ، فإن Blazy يميل إلى الحميميّة... إتقانه للمواد هو الأساس: الأقمشة أخفّ، التطريز مدمج ضمن التصميم لا مضافاً إليه، والحرفيّة حاضرة بهدوء. يفتح حواراُ مع أرشيف الدار ويستلهم منه من دون أن يقيّده. في عهده، الشعارات تهمس والقَصّة تتكلّم.
حملت حقيبة Flap الأيقونية لمسة جديدة من خلال تنفيذها بقماش الأورغانزا الشفاف.
قدّّم Matthieu Blazy رؤية معاصرة لرموز دار Chanel الأيقونية في مجموعة خريف وشتاء 2026-2027.
تقديم زهرة الكاميليا بطرقٍ جديدة.
مجموعة أعادت المتعة إلى الموضة وهي مستوحاة من الشخصيات المختلفة التي نلتقي بها في مترو نيويورك.
JONATHAN ANDERSON
Dior كمختبر ثقافيّ
تولّي Jonathan Anderson الإدارة الإبداعيّة في Dior، لم يكن مجرّد تغيير إداريّ، بل خطوة تحمل رؤية مختلفة وتوسّع فكريّ. إرث Christian Dior مبنيّ على الأسلوب الهندسيّ، وJonathan Anderson اختار أن يختبره لا أن يكرّره. النِسب تُعاد صياغتها، القطع الأيقونيّة تتطوّر بهدوء والرموز التاريخيّة تظهر كإشارات ذكيّة. في عهده، تحوّلت الدار إلى مساحة للتجربة المدروسة، من دون أن تفقد هويّتها أو قوّتها التجاريّة.
حقيبة Bow تعيد صياغة رمز الدار الأيقونية :" العقدة" بروح مرحة وأناقة معاصرة.
ابتكر Christian Dior الـ New Look وسترة Bar Jacket، أما Jonathan Anderson فيعيد اليوم ابتكار New-er Look.
تتفتّح الأزهار بطريقة جديدة في مجموعة ربيع وصيف 2026.
PIERPAOLO PICCIOLI
Balenciaga: نحو المزيد من العاطفة
وصول Pierpaolo Piccioli إلى Balenciaga يشكّل تحوّلاً واضحاً في مسار الدار يتمحور حول الإنسان. من دون إنكار قوّة المرحلة السابقة، يختار Piccioli أن يوجّه الدار نحو المزيد من العاطفة والقرب وسهولة الارتداء، مع الحفاظ على الخطوط الهندسيّة التي شكّلت جوهر الدار منذ خمسينيّات القرن الماضي.
في مجموعته الأولى، يستحضر إرث Cristóbal Balenciaga ويقدّم قماش Neo Gazar كإعادة تفسير معاصرة لقماش 1958 الشهير، لكن بوزن أخفّ، ومرونة أكبر. فساتين Sack، التنّانير ذات الحواف المنتفخة، ومعاطف Cocoon تعود، لكن أكثر انسيابيّة وشاعريّة. الأحجام ما زالت حاضرة، لكنّها أقل صلابة وتتمتّع بحركة طبيعيّة.
الخياطة الرجاليّة خضعت لبعض التعديلات أيضاً: سراويل منحنية أو ما يُعرف بـ“banana-shape tailoring”، وسترات هجينة بين القميص والسترة، تهدف إلى تحديث مفهوم البدلة بعيداً عن الصرامة التقليديّة. Piccioli لا يبحث عن الصدمة، بل عن القوّة الهادئة. يجعل التقنيّة في خدمة الإحساس، ويحوّل الفخامة من فعل هيمنة إلى مساحة ثقة. في زمن أرهقته المبالغة، قد تكون هذه العودة إلى الإنسان هي أكثر خطوات Balenciaga جرأة.
قصّات وتصاميم مستمدّة من أرشيف الدار، أُعيد تخيّلها بحسّ عصري.
حملة “Heart and Body”، تعكس تحوّل الدار نحو العاطفة: وجوه حقيقية، شخصيّات مختارة لصدقها، في انتقال واضح من الاستعراض إلى الارتباط.
Demna
Gucci تعود إلى الراديكاليّة الواعية
وصول Demna إلى Gucci يمثّل تحوّلاً واضحاً في لغة الدار. فبعد سنوات من المبالغة في الزخرفة والروح البوهيميّة، يقدّم Demna رؤية أكثر حدّة ووضوحاً تقوم على الخطوط القويّة والبنية الواضحة. إنّه عصر“La Famiglia”، لغة تعتمد على الخياطة الصارمة، الأحجام المبالغ بها بذكاء، والعودة إلى صورة Gucci القويّة، الواثقة، والمشحونة بالجاذبيّة.
في مجموعته الأولى، La Famiglia لربيع وصيف 2026 تتقدّم الخياطة على الزخرفة: أكتاف بارزة، سترات جلديّة حادّة، بلوزات حريريّة انسيابيّة، وتوازن مدروس بين الصرامة والأنوثة. تأثير حقبة Tom Ford حاضر بروح معاصرة.
الأرشيف يلعب دوراً أساسيّاً، حقائب Bamboo و1961 Jackie تعود بلمسة أكثر قوّة وأقل حنيناً. الأوشحة الحريريّة، رموز السبعينيّات، والجلد اللامع تُستخدم لبناء سرديّة جديدة. Gucci اليوم تتبنّى مفهوم“Back to the Future”، حيث يلتقي الإرث بأسلوب الشارع، والنتيجة قطع جاهزة للارتداء فوراً، ومليئة بالجاذبيّة.
في Gucci Primavera، تلتقي الخفّة بالراحة ضمن تصاميم تنسجم مع حركة الجسد وتقوم على تطوير دقيق للتفاصيل.
Louise Trotter
الفصل الجديد من القوّة الهادئة في Bottega Veneta
بعد فترة Matthieu Blazy اللافتة، تتسلّم Louise Trotterمنصب المديرة الإبداعيّة لـ Bottega Veneta، الدار التي نجحت في ترسيخ هويّتها كمرادف للفخامة الصامتة. في أوّل مجموعة لها في ربيع وصيف 2026، تقدّم Trotter قراءة ناضجة لإرث الدار، حيث تصبح الحِرفيّة نقطة الانطلاق . تقنيّة Intrecciato لا تُستعاد كرمز، بل تُختبر عبر خامات غير متوقّعة: شيفون، ريش، وألياف زجاجيّة معاد تدويرها تتلألأ كالوميض، فتمنح السطح ملمساً “حِرفيّاً” معاصراً، يتأرجح بين الخفّة والقوّة. المعاطف الجلديّة، الترنشات، والباركاز ذات الأكتاف الواضحة تستحضر قوّة الثمانينيّات، القصّات كبيرة، بنيويّة، لكنّها مريحة.
في الحقائب، توازن Louise بين التطوير والابتكار. تعيد صياغة قطع أيقونيّة مثل Lauren 1980 وCabat، وفي الوقت نفسه تقدّم تصاميم جديدة مثل Squash، Gioco، وCrafty Basket تركّز فيها على الملمس بقدر تركيزها على الشكل والبنية. أما الفساتين الحريرية فتتميّز بخياطة ناعمة تلامس الجسد بهدوء، من دون تقييد أو تفاصيل زائدة. في سوق يزدحم بالضجيج البصريّ، تبقى Bottega Veneta علامة تفهم أنّ الصمت، حين يكون مقصوداً، يصبح أعلى أشكال التعبير.
يبقى التركيز على التفاصيل من أبرز اهتمامات الدار.
