قبل أن تتحوّل شعارات الدور إلى أهم أدوات التميّز في صناعة الرفاهية، كانت الطبعات هي الهويّة البصريّة الأكثر تأثيراً في عالم الموضة. لم تكن مجرّد زخارف تزيّن القماش، بل لغة تصميم كاملة تكشف عن اسم الدار من النظرة الأولى. وبين عشرات دور الأزياء التي برزت خلال القرن العشرين، استطاعت كل من دار Pucci وMissoni أن تحوّلا الطّبعات إلى إرث بصريٍّ خالد، كلّ منهما بأسلوبٍ مختلف تماماً. من دوّامات Pucci المستوحاة من البحر المتوسط وروح السفر، إلى تعرّجات Missoni المنسوجة بخيوط الحرفيّة الإيطاليّة، أثبتت الداران أنّ الهويّة لا تُبنى بالشعار وحده، بل قد تُحاك بخيط أو تُرسم بخطٍّ من الألوان.
PUCCI
من صدفة إلى أيقونة بصريّة
لم يكن Emilio Pucci يخطّط لدخول عالم الأزياء. وُلد عام 1914 في إحدى أعرق العائلات الفلورنسيّة، ودرس العلوم السياسيّة قبل أن يتّجه إلى ممارسة التزلّج خلال سنوات شبابه. في عام 1947، غيّرت لقطة عفويّة على منحدرات التزلّج مسار حياته بالكامل.
لفتت بدلة التزلّج التي صمّمها لنفسه انتباه محرّرة في مجلة عالميّة، لتفتح أمامه أبواب عالم الأزياء. جاء ظهوره في وقت كانت فيه المرأة تبحث عن أزياء تجمع بين الراحة والأناقة، فقدّم تصاميم عصريّة وخفيفة، سرعان ما أصبحت مرادفاً للحريّة والمرح والألوان المُشرقة.
Capri... حيث وُلدت هوية Pucci
شكّلت جزيرة Capri نقطة التحوّل الحقيقيّة في مسيرة الدار. هناك استلهم Pucci لوحة ألوانه من مياه البحر الأبيض المتوسط، وضوء الشمس، والفسيفساء الإيطاليّة، والرحلات التي قام بها حول العالم. وفي الوقت الذي انشغل فيه معظم المصمّمين آنذاك بالقصّات والبناء الهندسيّ للملابس، جعل Pucci النقشة البطلة المطلقة. دوّامات، مُنحنيات، وأشكال هندسيّة نابضة بالحركة بدت وكأنّها تتراقص فوق القماش، لتصبح لاحقاً واحدة من أكثر البصمات البصريّة تميّزاً في تاريخ الموضة.
الزيّ الرسميّ لعصر الـJet Set
مع ازدهار السفر في ستينيّات القرن الماضي، أصبحت تصاميم Pucci تجسيداً لأسلوب حياة جديد. كانت فساتينه المصنوعة من الجيرسيه الحريريّ خفيفة، سهلة الطيّ، ومثاليّة للتنقّل بين العواصم والوجهات الساحليّة. اختارتها شخصيّات مثل Marilyn Monroe ،Sophia Loren وJackie Kennedy، فتحوّلت الدار إلى رمز للمرأة الراقية التي تعيش بين اليخوت، الفنادق الفاخرة، والشواطئ الإيطاليّة.
إرث لا يزال نابضاً بالألوان
بحلول أواخر الستينيّات، تجاوزت طبعات Pucci حدود الموضة لتصبح رمزاً ثقافيّاً يعكس روح الحريّة والتفاؤل والانطلاق. وبعد رحيل المؤسِّس عام 1992، واصلت الدار تطوير هذا الإرث، وصولاً إلى Camille Miceli التي أعادت عام 2021 تقديم عالم Pucci بمنظور معاصر، من دون المساس بجوهره البصريّ.
MISSONI
عندما أصبحت الحياكة لغة بصريّة
بدأت الحكاية عام 1953 عندما أسّس Ottavio Missoni وزوجته Rosita Missoni العلامة في بلدة Gallarate شمال إيطاليا، واضعين الحياكة في قلب مشروعهما الإبداعيّ. لم يكن هدفهما تصميم كنزات جميلة فحسب، بل إعادة التفكير في إمكانات التريكو نفسه. فبينما كانت معظم دور الأزياء تعتمد على الأقمشة المنسوجة، أمضى Ottavio سنوات في تجربة الغرز، وسماكات الخيوط، وأنواع الغزل المختلفة، باحثاً عن طرق تجعل القماش يصنع نقشته بنفسه.
كيف وُلد الـZigzag؟
بعد تجارب عدّة، بدأت تتشكّل في أواخر الخمسينيّات وبداية الستينيّات نقشة الزيغزاغ التي أصبحت لاحقاً الهويّة البصريّة للدار. لم تكن مجرّد خطوط متعرّجة، بل نتيجة مزج معقّد بين غرز مختلفة وخيوط متعدّدة الألوان والسماكات، ما منح القماش تأثيرات بصريّة نابضة بالحركة والعمق، تبدو مطبوعة رغم أنّها منسوجة بالكامل.
وجاء عرض الدار في Palazzo Pitti بفلورنسا عام 1967 ليضع Missoni تحت أنظار العالم. رغم أنّ العرض أثار جدلاً واسعاً بسبب شفافية بعض الإطلالات تحت أضواء المنصّة، فإنّه رسّخ مكانة الدار كواحدة من أكثر العلامات ابتكاراً في صناعة التريكو، وحوّل نقشة الزيغزاغ إلى رمز أيقونيّ للدار.
اللون خامة لا زخرفة
ما ميّز Missoni أنّ اللون لم يكن عنصراً تزيينيّاً يضاف في نهاية التصميم، بل جزءاً من بُنية القماش منذ البداية. تعامل Ottavio وRosita مع الخيوط كما يتعامل الرسّام مع الألوان، فمزجا عشرات الدرجات اللونيّة داخل القطعة الواحدة باستخدام أنواع مختلفة من الغزل، لتتشكّل تدرّجات وظلال تتغيّر مع الضوء وحركة الجسم. لهذا كثيراً ما شُبّهت تصاميم Missoni باللوحات التجريديّة أكثر من كونها قطعاً جاهزة للارتداء. فاللون لم يكن يغطّي السطح، بل كان في جوهر النسيج نفسه، ما منح القطع عمقاً وحيويّة يصعب تحقيقهما بالطباعة التقليديّة.
من منصّة العرض إلى عالم التصميم
مع مرور الوقت، تجاوزت نقشة الزيغزاغ حدود منصّات الأزياء لتصبح هويّة بصريّة مُتكاملة. خلال الثمانينيّات، نقلت Missoni هذه اللغة إلى عالم التصميم الداخليّ عبر إطلاق Missoni Home، حيث انتقلت الأنماط الملوّنة نفسها إلى الأثاث والمنسوجات المنزليّة والإكسسوارات، مثبتة أنّ فلسفتها القائمة على اللون والحركة لا تقتصر على الملابس.
وفي عام 1997، تولّت Angela Missoni الإدارة الإبداعيّة للدار، فعملت على تحديث القصّات وتوسيع حضور العلامة عالميّاً، مع الحفاظ على الإرث الذي بناه والداها. وحتى اليوم، لا تزال Missoni تعيد ابتكار الزيغزاغ في كلّ موسم، بألوان وإيقاعات جديدة، ليبقى رمزاً للإبداع التقنيّ.
STYLE STORIES
