بعض قطع المجوهرات تتجاوز حدود الجمال، لتروي حكايات من الخيال والإبداع تبقى حيّة عبر الأجيال. واستحضاراً لعالم مصمّم المجوهرات Jean Schlumberger وإرثه الاستثنائيّ، تتعاون .Tiffany & Co مع Musée des Arts Décoratifs في باريس لتكشف عن مجوهرات تاريخيّة ورسومات أرشيفيّة تُعرض للمرّة الأولى. في حوار خاص مع جمالكِ، يكشف Dr. Sylvain Cordier، القيّم الفنّي ورئيس قسم الفنّ الأوروبيّ في Virginia Museum of Fine Arts، أسرار عالم Schlumberger الإبداعيّ، ومصادر إلهامه، ومكانة مجوهراته في تاريخ الفنّ.
مقابلة مع Dr. Sylvain Cordier القيّم الفنّي ورئيس قسم الفنّ الأوروبيّ في Virginia Museum of Fine Arts
عندما عملتَ على هذا المعرض، ما القصّة التي أردتَ روايتها، بعيداً عن مجرّد تقديم مجموعة من المجوهرات الاستثنائيّة؟
في الواقع، لا نستخدم كلمة "معرض" لوصف ما قدّمناه في Musée des Arts Décoratifs، بل نفضّل تسميته تقديماً، لأنّه أُقيم ضمن إطار خاص ومحدّد، ويختلف عن المعارض التي ينظّمها المتحف عادةً. ما أردتُ تسليط الضوء عليه هو الدور الذي لعبته الرسومات في العمليّة الإبداعيّة لدى Jean Schlumberger. كان من المهمّ بالنسبة إليّ أن نُظهر أهميّة الحفاظ على هذه الرسومات التي تساعدنا على فهم مراحل الإبداع بشكل أعمق، وكيفيّة تحوّل أفكاره ورسوماته إلى العديد من قطع المجوهرات التي نعرفها اليوم.
كمؤرّخ فنّي، هل تعتقد أنّ المجوهرات التي تقدّمها .Tiffany & Co حظيت بالتقدير الذي تستحقّه كشكل من أشكال الفنّ؟
نعمل اليوم على تحقيق ذلك. بصفتي قيّماً في متحف ومؤرخاً فنيّاً، أدرس أعمال Jean Schlumberger منذ سنوات، وما لفتني هو أنّه كان اسماً معروفاً ومقدّراً جداً في عالم الفخامة، لكنّ مكانته ضمن تاريخ الفنّ كانت لا تزال بحاجة إلى المزيد من البحث والتوثيق. نحن محظوظون في المتحف بامتلاك مجموعة تضمّ أكثر من 150 قطعة من أعماله، ما يساعدنا على فهم مسيرته وتطوّر أعماله بشكل أعمق.أعتقد أنّنا نقترب اليوم من منح Jean Schlumberger المكانة التي يستحقّها في تاريخ الفنّ. أعمل حاليّاً على كتاب شامل عنه نخطّط لنشره في العام المقبل، بالإضافة إلى معرض متحفيّ كبير سيُقام عام 2029.
امتلك Jean Schlumberger خيالاً استثنائيّاً، مليئاً بالطبيعة والألوان والحركة. ما الذي شكّل عالمه الإبداعيّ؟
كانت الطبيعة ومراقبة العالم من حوله في صميم إبداعه، لكنّه كان أيضاً كثير السفر وفضوليّاً جدّاً تجاه الثقافات المختلفة. كان لجنوب شرق آسيا تأثير كبير فيه، كما كان مفتوناً بالشرق الأوسط، وخصوصاً بلاد فارس، حيث استلهم من العمارة والأشكال التقليديّة التي شاهدها في إيران. أمضى بعض الوقت في لبنان، وكانت له علاقة خاصّة بالمكان. لاحقاً، أصبح للكاريبي حضور مهم في حياته. ففي عام 1959، اشترى منزلاً في غوادلوب، وأصبح يُمضي هناك جزءاً كبيراً من وقته. كان يتصفّح الكتب الفرنسيّة القديمة من القرنين السابع عشر والثامن عشر، سواء تناولت الحدائق أو الطهو أو العمارة، ويستمدّ منها أفكاراً جديدة. لذلك، لم يكن عالمه الإبداعيّ نابعاً فقط من الأماكن التي زارها، بل أيضاً من عالمه الداخليّ ومن طريقته الخاصّة في رؤية الأشياء.
نعرف أنّ المجوهرات صُمّمت أساساً لتُرتدى وتتفاعل مع الجسد. كيف تتغيّر تجربتنا معها عندما تُعرض داخل متحف؟
عندما تنضمّ قطعة مجوهرات إلى مجموعة متحفيّة، لا تعود تُرتدى، وبالتالي تفقد جزءاً من وظيفتها الأساسيّة. لكن في المقابل، تتحوّل إلى جزء من التاريخ والتراث. المثير للاهتمام في أعمال Jean Schlumberger أنّ بعض تصاميمه تتحدّى فكرة ارتداء المجوهرات بحدّ ذاتها. فبعض قطعه القديمة تتضمّن تفاصيل حادّة أو شبيهة بالأشواك، وقد تكون غير عمليّة للارتداء أو حتى لتعلّق على الملابس. أعتقد أنّه كان مهتمّاً بهذا التناقض بين ما يمكن ارتداؤه وما يصعب ارتداؤه. وبعد أن أُتيحت لي فرصة حمل العديد من هذه القطع بين يديّ، شعرت أنّ بعضها، وخصوصاً من أربعينيّات وخمسينيّات القرن الماضي، يمنحنا تجربة مختلفة تماماً. وهذا يرتبط بالطبيعة في أعمال Jean Schlumberger، فقد استوحى أشكالاً من الأصداف والأسماك والكائنات البحريّة الصغيرة ونجوم البحر، وكأنّنا نعثر على شيء جميل على الشاطئ، فنلتقطه ونحمله بين أيدينا لنتأمّله. هذه العلاقة الحسيّة مع القطعة كانت جزءاً مهمّاً جدّاً من تجربته الإبداعيّة.
تتميّز تصاميم Jean Schlumberger بأسلوب يمكن التعرّف إليه فوراً. ما التفصيل أو السِمة التي تجعلنا نقول مباشرةً: "هذه القطعة من تصميم Jean Schlumberger"؟
أعتقد أنّها الأشكال العضويّة وطريقته الخاصة جدّاً في التعامل معها. فهو لم يكن يقلّد الطبيعة كما هي، بل كان يستمد منها حيويّتها وحركتها وقوّتها، ثم يُعيد ابتكارها بأسلوبه الخاص. نرى ذلك في أشكال الأوراق وغيرها من العناصر الطبيعيّة التي تبدو كأنّها تنمو وتتحرّك.
تزامن هذا المعرض مع أسبوع الموضة في باريس، وهو وقت يتّجه فيه الاهتمام دائماً نحو الجديد وما هو قادم. برأيك، ماذا يمكن للأرشيف وأعمال Jean Schlumberger أن تعلّم الجيل الجديد من المصمّمين عن الإبداع والأصالة؟
أعتقد أن Jean Schlumberger يدعونا قبل كلّ شيء إلى العودة إلى الطبيعة والنظر إليها كمصدر للإلهام. لكنّ علاقتنا بالطبيعة اليوم تختلف كثيراً عمّا كانت عليه في القرن العشرين، فنحن نعيش في عالم أصبحت فيه الطبيعة عرضة للخطر. عندما نعود إلى رسوماته وأعماله، نتذكّر أنّنا كبشر جزء صغير من عالم أكبر بكثير. وأعتقد أن هذا درس مهم للجيل الجديد من المصمّمين: الإبداع لا يأتي فقط من البحث عن الجديد، بل أيضاً من التأمّل في الجمال الموجود حولنا، والتعلّم منه وتحويله إلى شيء جديد.
