ماذا لو لم يكن التراث شيئاً نعود إليه، بل شيئاً يأخذنا نحو المستقبل؟ هذه الفكرة تقف في صميم «مجلس إرثي للحِرف المعاصرة»، الذي يعمل على صون الحرف التقليديّة وتطويرها،تمكين الحِرفيّات، وخلق حوار بين المعرفة المتوارثة والتصميم المعاصر والابتكار. من التلي والسفيفة إلى المواد الجديدة، التكنولوجيا والذكاء الاصطناعيّ، تتّسع اليوم حدود الحِرفة وتتغيّرطرق التعبير عنها. في هذا الحوار، نكتشف كيف يرى «إرثي» الحِرفة كمعرفة حيّة تتوارثها الأجيال، وفي الوقت نفسه، تعيد ابتكار نفسها لتروي فصولاً جدي ة من قصّتها.
مقابلة مع H.E. Reem BinKaram المديرة العامّة لمجلس إرثي للحرَف المعاصرة
هل يكفي اليوم أن نحافظ على التراث، أم يجب أن نطوّره أيضاً؟
في «مجلس إرثي للحِرف المعاصرة»، يبدأ الحفاظ بالبحث والتوثيق، لكنّه لا يتوقّف عندهما. نعمل على نقل المعرفة عبر الأجيال، وتطوير مهارات الحِرفيّات، وفتح مساحات جديدة أمامالحِرف التقليديّة من خلال التصميم والمواد والشراكات الإبداعيّة، مع الحفاظ على هويّتها وأصالتها الثقافيّة. لذلك، لا يتمثّل السؤال بالنسبة إلينا في كيفيّة الحفاظ على الحِرفة كما هيفحسب، بل في كيفيّة ضمان استمرارها وتطوّرها بشكل مدروس، من دون أن تفقد جذورها أو السِمات التي تُميّزها.
لو ظهرت حِرفتا نسيج التلي أو السفيفة للمرّة الأولى في عام 2026، كيف يمكن أن تبدوا برأيكِ؟
لو ابتُكرتا اليوم، أعتقد أن جوهرهما سيبقى قائماً على المهارة اليدويّة والتداخل الدقيق للخيوط أو المواد، لكن طريقة التعبير عنهما ستعكس زمننا الحالي. ربما سنرى التلي والسفيفةبمواد غير تقليديّة، وأحجام وتكوينات جديدة، وفي مجالات تتجاوز استخداماتهما المعروفة، من الأزياء والمجوهرات إلى الأثاث والتصميم والعمارة.
في عالم سريع، هل أصبحت القطعة الحِرفيّة شكلاً جديداً من أشكال الرفاهية؟
نعم، وذلك لما تحمله من دقّة في الصناعة اليدويّة، وأصالة، وخصوصيّة لا يمكن للإنتاج السريع أن يمنحها بالطريقة ذاتها. لذلك، لم تعد الرفاهية مرتبطة فقط بندرة المواد أو قيمتهاالماديّة، بل أيضاً بما تحمله من إتقان، ومعرفة، ووقت، وهويّة.
ماذا يحدث عندما تختلف رؤية المصمّم مع خبرة الحِرفيّة؟
نحن لا ننظر إلى الاختلاف بين رؤية المصمّم وخبرة الحِرفيّة باعتباره تعارضاً، بل نراه جزءاً أساسيّاً من العمليّة الإبداعيّة. فالمصمّم يأتي برؤية وأفكار جديدة، بينما تحمل الحرفيّة معرفةعميقة بالمادّة والتقنيّة وإمكانات الحِرفة وحدودها، وهي معرفة اكتسبتها بالممارسة والخبرة على مدى سنوات. في «مجلس إرثي للحِرف المعاصرة»، نحرص على أن تكون هذه العلاقةحواراً مُتكافئاً، لا عمليّة تنفيذ من طرف واحد؛ فالحِرفيّة ليست مجرّد منفّذة لرؤية المصمّم، بل شريكاً أساسيّاً في تطوير العمل.
ما الذي نصنعه اليوم في الخليج قد يصبح «تراث المستقبل» بعد 100 عام؟
ما سيبقى بعد 100 عام قد لا يكون بالضرورة قطعة أو تصميماً بعينه، بل المعرفة والممارسات التي نوثّقها ونطوّرها اليوم، والطريقة التي نختار بها التعبير عن هويّتنا في هذا الزمن. لذلك، ربما يكون «تراث المستقبل» هو ما نؤسّسه اليوم من معرفة موثّقة، ومهارات تنتقل بين الأجيال، وممارسات تتطوّر من دون أن تفقد هويّتها، لتصبح بعد 100 عام شاهداً علىالطريقة التي عبّرت بها الإمارات في عصرنا عن ثقافتها وهويّتها.
هل تساعد التكنولوجيا في حماية الحِرف اليدويّة، أم تُفقدها شيئاً من روحها؟
في «إرثي» ننظر إلى التكنولوجيا باعتبارها أداة يمكن أن تسهم في حماية المعرفة الحرفيّة وتوسيع إمكاناتها، لا بديلاً عن الحِرفيّة أو عن المهارة اليدويّة. فالتوثيق ثلاثيّ الأبعاد، علىسبيل المثال، يُتيح لنا تسجيل تفاصيل التقنيّات والحركات والأدوات بدقّة، بما يساعد على حفظ هذه المعرفة وإتاحتها للأجيال المقبلة من الباحثين والممارسين. لذلك، لا نعتقد أنالتكنولوجيا تسلب الحِرفة روحها، ما دامت تُستخدم في خدمتها.
إذا استطاع الذكاء الاصطناعيّ تقليد أنماط التلي بإتقان، فهل يمكن اعتبار الناتج «تلي»؟
قد يتمكّن الذكاء الاصطناعيّ من قراءة أنماط التلي وتحليلها وإعادة إنتاجها بدقّة بصريّة عالية، لكنّ التلي بالنسبة لنا لا يُختزل في النمط أو الشكل النهائيّ. هو معرفة حرفيّة تراكمتوانتقلت عبر أجيال من الحِرفيّات، وترتبط بطريقة العمل، واختيار الخيوط، والإيقاع الذي تصنعه الأيدي، والخبرة التي تكتسبها الحرفيّات عبر سنوات من الممارسة. لذلك، قد يستطيعالذكاء الاصطناعيّ محاكاة شكل التلي، لكنّه لا يستطيع أن يحلّ محل المعرفة التي تصنعه.
ماذا تعلّمتِ من حِرفيّات «إرثي» عن الإبداع ولا يمكن تعلّمه في كلّية أو مدرسة للتصميم؟
تعلّمت منهنّ أنّ الإبداع لا يبدأ دائماً من فكرة جديدة، بل قد يبدأ من معرفة قديمة نمتلك القدرة على رؤيتها بطريقة مختلفة. الحِرفيّات يحملن معرفة لا نجدها في الكتب تشكّلتبالممارسة والملاحظة وانتقلت من جيل إلى آخر، من طريقة التعامل مع الخامة إلى فهم التفاصيل والإيقاع والدقّة التي تتطلّبها الحِرفة. كما تعلّمت منهنّ أنّ المهارة الحقيقيّة لا تعنيتكرار الموروث. فالحِرفيّة المتمكّنة تعرف قواعد حِرفتها جيّداً، لكنّها تعرف أيضاً متى يمكن تطويرها وإضافة خبرتها وحسّها الشخصيّ.
لو منحتِ إحدى حِرفيّات «إرثي» حريّة إبداعيّة كاملة، ماذا تتمنّين أن تبدع؟
ما أودّ رؤيته هو ما تختاره هي عندما تتحرّر من السؤال المعتاد: كيف ينبغي أن تبدو هذه الحِرفة؟ ربما تستخدم تقنيّة تقليديّة بطريقة غير مألوفة، أو تجمع بين خامات لم نعتد رؤيتهامعاً، أو تُنتج قطعة لا تنتمي إلى تصنيف تقليديّ واضح.
